العمل والمهنة

لماذا لا يكفي العمل الجاد للترقّي؟ كيف تؤثر العلاقات والثقافة المؤسسية في مستقبلك المهني

موظف ينجز عمله بتركيز في مكتب حديث، بينما تدور في الخلفية تفاعلات مهنية ترمز إلى دور العلاقات والثقافة المؤسسية في فرص الترقّي.

في عام 2019، فتح ثلاثة باحثين سجلات الأداء والترقية لعشرات الآلاف من موظفي المبيعات. كانت الأرقام تعرف من باع أكثر، ومن تعاون مع زملائه، ومن انتقل إلى الإدارة. بدا السؤال بسيطًا: من يستحق الترقية؟ لكن البيانات أخفت سؤالًا أصعب: هل تكافئ المؤسسة أفضل موظف في وظيفته الحالية، أم تختار الأكثر استعدادًا لوظيفة لم يمارسها بعد؟ وماذا يحدث إذا كان المجتهد لا يعرف كيف يجعل أثره مفهومًا؟ وأين ينتهي دور الفرد، ويبدأ دور المدير والثقافة والقواعد غير المكتوبة؟

1. ماذا يثبت أداؤك الحالي، وماذا لا يثبت؟

كان السؤال الذي واجهه آلان بنسون ودانييل لي وكيلي شو واضحًا: هل تختار الشركات أفضل موظفيها ليصبحوا مديرين، أم تختار أفضل من يمكنه إدارة الآخرين؟ درس الباحثون سجلات 38,843 موظف مبيعات في 131 شركة، ونشروا نتائجهم عام 2019 في The Quarterly Journal of Economics. وجدوا أن التفوق في المبيعات رفع احتمال الترقية، لكنه لم يكن ضمانًا للتفوق في الإدارة؛ فالمهارات التي تصنع بائعًا بارعًا ليست هي نفسها التي تساعد فريقًا كاملًا على النجاح.

لا تقلل هذه النتيجة من قيمة العمل الجاد، بل تحددها بدقة. أداؤك يثبت إتقان مسؤولياتك الحالية، أما الترقية فتسأل عن قدرتك على تحمل مسؤولية جديدة. قد ينتقل المبرمج من كتابة الشفرة إلى تنسيق فريق، أو المصمم من العمل الفردي إلى شرح قراراته والتفاوض على الأولويات. عندئذ تصبح الترقية رهانًا على أداء مستقبلي مختلف، لا ميدالية للعمل السابق فقط.

لهذا قد يعمل شخصان بالجدية نفسها، ثم يتقدم أحدهما لأن خبراته أصبحت أقرب إلى متطلبات الدور التالي. وقد تكون المشكلة أن المؤسسة لم تجد بعد دليلًا على القدرة التي تحتاج إليها في المستوى الأعلى.

2. المؤسسة ليست لوحة نتائج

نتخيل العمل أحيانًا كأنه امتحان: أنجز المطلوب، تحصل على الدرجة، ثم تنتقل إلى المستوى التالي. لكن المؤسسة نظام اجتماعي تتوزع داخله المهام والمعلومات والثقة والسلطة. لذلك تظهر قيمة الموظف في إنجازه، وفي أثره في قدرة الآخرين على العمل عندما تتعقد الأمور.

قد يحل موظف مشكلة فنية صعبة، لكن زملاءه لا يستطيعون البناء على حله. وقد ينجز آخر مهام أقل، لكنه يوثّق ما تعلمه، وينبه الفريق إلى خطر مبكر، ويساعد قسمًا آخر على تجنب خطأ مكلف. الأول أكثر إنتاجًا بحساب الناتج الفردي، بينما وسّع الثاني قدرة المؤسسة على العمل. هنا تدخل كفاءات التنسيق والحكم والتواصل إلى جوار الكفاءة التقنية.

ومن هنا لا تكفي عبارة «أنا أؤدي عملي جيدًا» للإجابة عن سؤال الترقية. فالمؤسسة تبحث أيضًا عمّن تستطيع أن تعهد إليه بمشكلات أوسع وأشخاص يعتمد بعضهم على بعض.

3. ماذا تصنع العلاقات فعلًا؟

في عام 2001، حاول سكوت سيبرت وماريا كرايمر وروبرت ليدن فهم الطريق الذي تنتقل عبره العلاقات من مجرد معرفة اجتماعية إلى نتيجة مهنية. اختبروا نموذجهم على 448 موظفًا يعملون في مهن ومؤسسات مختلفة. لم تكن النتيجة أن كثرة المعارف تصنع النجاح وحدها؛ فقد حدد الباحثون ثلاث فوائد عملية للشبكات المهنية: الوصول إلى معلومات لا يملكها الجميع، والوصول إلى موارد تساعد على الإنجاز، والحصول على رعاية مهنية من شخص يثق بقدرات الموظف.

هذا هو رأس المال الاجتماعي في أبسط صوره: علاقات ثقة تسمح للمعلومة والمساعدة والفرصة بالعبور. زميل في قسم آخر قد يخبرك بمشروع يناسب قدراتك. مدير سابق قد يشرح المهارة التي تعوق انتقالك. وشخص أقدم قد يذكر اسمك في اجتماع لا تحضره عندما يبحث القادة عمّن يتحمل مسؤولية جديدة.

وهنا يظهر الفرق بين المرشد والراعي المهني. المرشد يساعدك على التفكير واتخاذ القرار، أما الراعي فيضع سمعته المهنية خلف ترشيحك لفرصة. ولا يمكن طلب هذا الدعم كما تُطلب خدمة سريعة؛ فهو ينمو عندما يرى الآخرون جودة عملك، ووفاءك بالتزاماتك، وقدرتك على مساعدة الفريق. العلاقات المهنية الصحية لا تحل محل الجدارة، بل تحملها إلى الأماكن التي تُتخذ فيها القرارات.

4. الثقافة المؤسسية: القواعد التي لا تجدها في الدليل

شرح إدغار شاين، أحد أبرز دارسي الثقافة التنظيمية في معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT)، أن ثقافة المؤسسة لا تقتصر على الشعارات. فهناك ممارسات نراها، وقيم تعلنها الشركة، وافتراضات عميقة يتعلمها الموظفون من القرارات المتكررة. قد تقول مؤسسة إنها تشجع الابتكار، ثم تعاقب كل تجربة لم تنجح، أو تمدح العمل الجماعي وتمنح الفرص لمن ينسب النتائج إلى نفسه. ما يتكرر في القرار أقوى من العبارة المكتوبة.

وفي عام 2016، جمع أمير غولدبرغ وزملاؤه بين تحليل اللغة المستخدمة في رسائل شركة تقنية ودراسة شبكة العلاقات داخلها. شملت بياناتهم أكثر من عشرة ملايين رسالة متبادلة بين 601 موظف على مدى خمس سنوات. أظهرت النتائج أن الملاءمة الثقافية ارتبطت بتحصيل مهني أعلى، وأن أثرها تداخل مع موقع الموظف في شبكة العلاقات؛ فكان الجمع بين فهم ثقافة المؤسسة وموقع شبكي يربط بين مجموعات مختلفة ذا قيمة خاصة.

الثقافة تحدد معنى السلوك قبل أن تكافئه. فالمبادرة قد تعني اقتراح فكرة في شركة، وحل المشكلة بصمت في أخرى. ومن لا يقرأ الفرق قد يقدم عملًا ممتازًا بطريقة لا تستطيع مؤسسته فهمها أو تقييمها.

5. حين لا تتحول الجدارة إلى مكافأة

يبقى احتمال آخر لا ينبغي تحميل الموظف مسؤوليته: أن يكون نظام المكافآت نفسه ناقصًا. في عام 2008، سأل إميليو كاستيا من معهد ماساتشوستس للتقنية عما يحدث بعد انتهاء تقييم الأداء: هل يحصل أصحاب التقييمات المتقاربة على عوائد متقاربة؟ حلل بيانات العاملين في مؤسسة خدمات كبيرة، فوجد أن الفروق المرتبطة بالنوع الاجتماعي والعرق والجنسية ظلت تؤثر في نمو الأجر حتى بعد أخذ تقييم الأداء في الحسبان.

تكشف الدراسة فجوة دقيقة بين إنتاج الجدارة والاعتراف بها. فقد يعمل نظام قياس الأداء بصورة مقبولة، ثم تدخل التحيزات أو العلاقات المغلقة أو غموض المعايير عند تحويل التقييم إلى راتب أو فرصة. وبذلك ينتقل السؤال من «هل أعمل جيدًا؟» إلى «كيف تحوّل هذه المؤسسة العمل الجيد إلى قرارات؟». المؤسسات الأكثر عدلًا لا تكتفي بإعلان تقديرها للكفاءة؛ بل توضح معايير الترقية، وتقارن المرشحين بطريقة منضبطة، وتستطيع تفسير القرار لمن لم يقع عليه الاختيار.

6. الذكاء المؤسسي من دون تملّق

بين الانشغال بالعمل وحده والانغماس في ألعاب النفوذ توجد مهارة ثالثة: أن تفهم البيئة التي تعمل فيها وتحسن التعامل معها دون أن تتخلى عن قيمك. في عام 2015، جمع تيموثي مونيون وزملاؤه نتائج بحوث متعددة عن «المهارة السياسية» في المؤسسات. وجد التحليل التجميعي ارتباطات إيجابية بينها وبين الأداء، والنجاح المهني، والسمعة الشخصية، وكانت من أبعادها القدرة على بناء العلاقات، والتأثير بين الأشخاص، وأن يراك الآخرون صادقًا وموثوقًا في تعاملك.

لا تعني المهارة أن تقول لكل شخص ما يحب سماعه، بل أن تعرف من يتأثر بالمشكلة، ومن يملك المعلومة، ومن يعتمد القرار، ثم تعرض فكرتك بما يجيب عن احتياجاتهم. فالموظف الذكي مؤسسيًّا لا يرسل اقتراحًا طويلًا إلى مدير غارق في أزمة، ولا يفاجئ قسمًا بتغيير يمس عمله. إنه يختار التوقيت واللغة والطريق من دون تزوير الحقيقة.

مخطط يوضح أربعة عوامل تؤثر في فرصة الترقّي داخل المؤسسة: الأداء الحالي، الأثر المرئي، العلاقات المهنية، والثقافة المؤسسية.

7. خريطة عملية لبناء فرصة الترقّي

أظهر استطلاع «آمال ومخاوف القوى العاملة في الشرق الأوسط» الصادر عن برايس ووترهاوس كوبرز (PwC) عام 2024 أن 67% من المشاركين قالوا إنهم من المرجح جدًا أو للغاية أن يطلبوا ترقية خلال الاثني عشر شهرًا التالية. لكن الرغبة لا تكشف وحدها ما يحتاج إليه الموظف؛ لذلك تبدأ الخريطة من أبسط ما يمكن تنفيذه، ثم تتدرج إلى فهم المؤسسة.

أولًا: حوّل الترقية من أمنية إلى دور محدد

اقرأ مسؤوليات المستوى التالي، وافهم المؤسسة التي تعمل فيها: ما المهارات المطلوبة؟ وكيف جرت الترقيات السابقة، وعلى أي أساس؟ ثم اسأل مديرك: «ما القدرات أو النتائج التي ينبغي أن أُظهرها حتى أصبح مرشحًا واقعيًّا؟». اطلب أمثلة قابلة للملاحظة، لا وصفًا عامًا مثل «كن أكثر قيادية».

ثانيًا: اجعل أثر عملك قابلًا للرؤية

سجّل المشكلات التي حُلّت، والوقت أو المال الذي وُفّر، وما تغير لدى العميل أو الفريق. شارك النتائج في تقرير أو اجتماع من دون استعراض؛ فالعمل غير الموثق يسهل نسيانه أو نسبته إلى غير صاحبه.

ثالثًا: وسّع دائرة فائدتك

اختر مشروعًا واحدًا يوصلك إلى قسم آخر، أو ساعد زميلًا في مشكلة تقع عند حدود تخصصك. لا تجمع أسماء؛ ابنِ سمعة الشخص الذي يضيف قيمة ويحفظ الثقة. هذه العلاقات هي التي تحمل لاحقًا المعلومات والترشيحات.

رابعًا: اطلب تغذية راجعة تؤدي إلى فرصة

بدلًا من «كيف تراني؟»، اسأل: «ما المهمة التي لو نجحت فيها خلال الأشهر الثلاثة المقبلة ستثبت استعدادي لمسؤولية أكبر؟». فالمدير الفعّال، كما تظهر أبحاث «مشروع أوكسجين» في غوغل، يدعم التطور المهني، ويناقش الأداء، ويوضح التوقعات.

خامسًا: اختبر الخريطة خلال تسعين يومًا

راقب أربعة أشياء: نتيجة جديدة حققتها، وقدرة من قدرات الدور التالي طورتها، وعلاقة مهنية بنيتها على فائدة متبادلة، وفرصة أصبحت أقرب إليك. إذا تحركت العناصر الأربعة، فأنت لا تعمل أكثر فحسب؛ بل تعمل في الاتجاه الصحيح.

إنفوجراف يقدّم خطة 90 يومًا لبناء فرصة الترقّي عبر خمس خطوات ومؤشرات متابعة عملية.

8. متى يكون الانتقال أذكى من بذل جهد إضافي؟

ليست كل بيئة قابلة للإصلاح من موقع الموظف. إذا تغيرت معايير الترقية كلما اقتربت منها، أو استُبعدت باستمرار من المشروعات التي تسمح لك بإثبات نفسك، أو نُسب عملك إلى غيرك، أو عجز مديرك عن تحديد ما ينقصك رغم تكرار السؤال، فقد لا تكون المشكلة نقصًا جديدًا عليك إصلاحه. دوّن الوقائع، واطلب تفسيرًا رسميًّا، واختبر إمكان الانتقال إلى فريق آخر. فإذا بقي الطريق مغلقًا، يصبح البحث خارج المؤسسة قرارًا مهنيًّا مدروسًا، لا هروبًا متسرعًا.

الخاتمة

العمل الجاد هو المادة التي يُبنى منها المستقبل المهني، لكنه لا يحدد وحده شكل البناء. تحتاج الترقية إلى كفاءة تناسب الدور التالي، وأثر يستطيع الآخرون رؤيته، وعلاقات تحمل الثقة والمعلومات، وثقافة تعرف كيف تكافئ ما تنتجه. وحين تفهم هذه العناصر، لن تتخلى عن الاجتهاد؛ بل ستتوقف عن إنفاقه في طريق لا يقود إلى ما تريد. والأهم أنك ستتعلم الفصل بين قيمتك الحقيقية وبين حكم مؤسسة قد تحسن رؤيتك أو تعجز عنها.

المصادر والمراجع

  1. Benson, A., Li, D., & Shue, K. (2019). Promotions and the Peter Principle. The Quarterly Journal of Economics, 134(4), 2085–2134. https://doi.org/10.1093/qje/qjz022
  2. Seibert, S. E., Kraimer, M. L., & Liden, R. C. (2001). A Social Capital Theory of Career Success. Academy of Management Journal, 44(2), 219–237. https://doi.org/10.5465/3069452
  3. Munyon, T. P., Summers, J. K., Thompson, K. M., & Ferris, G. R. (2015). Political Skill and Work Outcomes: A Theoretical Extension, Meta-Analytic Investigation, and Agenda for the Future. Personnel Psychology, 68(1), 143–184. https://doi.org/10.1111/peps.12066
  4. Goldberg, A., Srivastava, S. B., Manian, V. G., Monroe, W., & Potts, C. (2016). Fitting In or Standing Out? The Tradeoffs of Structural and Cultural Embeddedness. American Sociological Review, 81(6), 1190–1222. https://doi.org/10.1177/0003122416671873
  5. Castilla, E. J. (2008). Gender, Race, and Meritocracy in Organizational Careers. American Journal of Sociology, 113(6), 1479–1526. https://doi.org/10.1086/588738
  6. Schein, E. H., & Schein, P. A. (2017). Organizational Culture and Leadership (5th ed.). Jossey-Bass. https://www.wiley-vch.de/en/areas-interest/finance-economics-law/organizational-culture-and-leadership-978-1-119-21204-1
  7. Google re:Work. (2025). Following the data: The research behind great managers. https://rework.withgoogle.com/intl/en/guides/following-the-data-the-research-behind-great-managers
  8. PwC Middle East. (2024). Middle East Workforce Hopes and Fears Survey 2024. https://www.pwc.com/m1/en/issues/upskilling/hopes-and-fears-2024.html

شارك المقال

هل كان المقال مفيدًا؟

نقاش المقال

تعليق واحد

تُنشر التعليقات بعد مراجعتها للتأكد من ارتباطها بموضوع المقال.

أضف تعليقًا

سيُراجع تعليقك قبل ظهوره. تُحذف الروابط المزعجة والمحتويات المخالفة.